شيوا محبوبی: غياب المعلومات يضاعف مخاطر السجون في إيران
حذرت الناشطة الحقوقية شيوا محبوبی من أن أوضاع السجناء السياسيين في إيران وصلت إلى مستوى كارثي، مؤكدة أن صمت العائلات وغياب الاهتمام الدولي يضاعف من المخاطر التي تهدد حياة المعتقلين وتزيد من الضغوط الممارسة عليهم داخل السجون.
شهلا محمدي
مركز الأخبار ـ منذ اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران، تعرض عدد كبير من المواطنين من مختلف الشرائح الاجتماعية، بينهم ناشطون مدنيون ونقابيون ومعترضون من توجهات متعددة، لحملات اعتقال واسعة.
تفيد تقارير حقوقية بأن أوضاع السجون في البلاد تزداد تعقيداً، في وقت كان يحتجز فيه أصلاً عدد كبير من السجناء السياسيين، هذا الواقع يثير تساؤلات ملحة حول مصير المعتقلين وظروف احتجازهم الراهنة.
وفي هذا السياق، أجرت وكالتنا حواراً مع الناشطة الحقوقية شيوا محبوبی، المتحدثة باسم لجنة حرية السجناء السياسيين، لتسليط الضوء على آخر المستجدات المتعلقة بأوضاع المعتقلين السياسيين والمحتجزين على خلفية الاحتجاجات.
ما هو الوضع الحالي في سجن إيفين وبقية السجون، بعدما كشفته السجينة السياسية السابقة مريم يحيوي عن الظروف القاسية في أحد أقسامه؟
مع الانقطاع الواسع للاتصالات الهاتفية والإنترنت، أصبح التواصل مع الداخل الإيراني شديد الصعوبة، ولم يعد الوصول إلى الأخبار ممكناً كما في السابق، هذا الغياب للمعلومات يشكل خطراً جدياً على السجناء السياسيين والمعتقلين الجدد، إذ يمكن للسلطات أن تستغل هذا الفراغ الإعلامي لزيادة الضغط عليهم، وإذا أردنا النظر بواقعية، فنحن أمام عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يعيشون عملياً في السجون كرهائن، وفي ظل غياب الرقابة والتغطية الإعلامية، يصبح احتمال وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضدهم قائماً.
ورغم أن بعض الروايات والأخبار المتفرقة تنشر بين الحين والآخر، إلا أنه من الطبيعي أن تبقى كثير من المخالفات وأعمال العنف مخفية. جزء من السجناء السياسيين كانوا معتقلين قبل بدء الاحتجاجات، وهم أيضاً يعانون من ظروف غير مناسبة. فعلى سبيل المثال، تم نقل الناشطة سبيده قليان إلى سجن وكيل آباد في مشهد؛ وهو سجن صعب الظروف يستخدم عادة لاحتجاز سجناء الجرائم غير السياسية، ما يجعل هذا النقل وسيلة إضافية للضغط عليها.
إلى جانب هؤلاء، هناك عشرات الآلاف ممن اعتقلوا خلال الاحتجاجات الأخيرة، ولا تتوفر أرقام دقيقة عن عددهم، إذ تتراوح التقديرات بين عشرات الآلاف وأكثر من مئة ألف شخص. لجنة حرية السجناء السياسيين تعمل يومياً على التحقق من أسماء المعتقلين، لكن هذه الجهود لا تكشف سوى جزء صغير من الواقع مقارنة بحجم الاعتقالات، وكثير من العائلات لا تعرف شيئاً عن مصير أحبائها؛ أشخاص خرجوا للمشاركة في التجمعات ولم يعثر لهم على أثر لا في السجون ولا بين الضحايا.
كما وردت تقارير عن نقل بعض المعتقلين إلى مراكز مجهولة خارج المدن، حيث يتعرضون للتعذيب والعنف، وهناك روايات تفيد بأن بعض الأشخاص قتلوا بالرصاص بعد اعتقالهم، ثم نسبت وفاتهم إلى الاحتجاجات. وفي حالات أخرى، حرم الجرحى من العلاج، ونقل بعض المعتقلين إلى سجون مثل فشافويه، بل وتحدثت تقارير عن حقن سجناء بمواد مجهولة.
بشكل عام فإن الصورة التي تتشكل من هذه الروايات تعكس وضعاً معقداً ومثيراً للقلق الشديد، حيث يتهدد السجناء خطر انتهاكات واسعة النطاق لحقوقهم، ولهذا السبب حذرت لجان حقوق الإنسان من احتمال وقوع كوارث خطيرة داخل السجون، وما هو مؤكد أن هناك حاجة ملحة إلى رقابة دولية وإلى اهتمام الرأي العام العالمي بأوضاع السجناء والمعتقلين، لأن غياب المعلومات والشفافية يزيد من هشاشتهم ويضاعف المخاطر التي تواجههم.
ما هو الوضع الحالي للسجناء السياسيين في إيران، مثل بخشان عزیزی ووريشه مرادي المهددتين بالإعدام ونرجس محمدي، وكيف يمكن تقييم الضغوط والظروف العامة التي يواجهها السجناء السياسيون اليوم؟
عند النظر إلى وضع السجناء السياسيين، يتضح أن كثيراً منهم سواء النساء أو الرجال المعروفين سياسياً، ما زالوا يعترضون من داخل السجن ويصدرون بيانات دعم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك حملة "لا للإعدام"، رغم أن تفاصيل هذه التحركات داخل السجون ما زالت غير واضحة لكن من المرجح أنها مستمرة.
يُنظر إلى هؤلاء السجناء من قبل النظام كأعداء يجب إسكاتهم، وتفيد التقارير بأنهم ما زالوا محتجزين في أقسامهم، لكنهم يعيشون حالة من القلق المستمر خشية وقوع أحداث مأساوية في أي لحظة، وفي بعض الحالات قامت قوات الحرس الخاصة بالانتشار داخل السجن ووجهت تهديدات مباشرة، من بينها الإدعاء بأنه في حال تعرض إيران لهجوم أمريكي، فإن جميع السجناء والمعتقلين سيتم قتلهم.
إضافة إلى ذلك، يستطيع النظام بسهولة إصدار أحكام "المحاربة" ضد السجناء الذين يدعمون الاحتجاجات، والظروف الراهنة تظهر أن النظام، سواء في الشوارع أو داخل السجون، يسعى إلى فرض سيطرته عبر الاعتقالات، نشر الرعب، القتل، وتهديد العائلات. لقد تحولت السجون سابقاً إلى ساحات رئيسية للنضال، واليوم اشتدت الضغوط في كلا الجبهتين.
ولهذا السبب حكم على نرجس محمدي بعقوبة جديدة، وتم نقل سبیده قلیان إلى سجن آخر؛ وهي أوضاع بالغة الخطورة وغير قابلة للتنبؤ، فلا يوجد أي ضمان حقيقي بأن حكم أي سجين لن ينتهي بالإعدام، أو حتى أن يقتل من دون صدور حكم بالإعدام، ولهذا أعلنت لجنتنا بعد يومين من بدء الاحتجاجات أنه يجب إيلاء اهتمام خاص بالسجون، لأنها أماكن يمكن للنظام أن يرتكب فيها كارثة أخرى كبيرة.
ما هي تداعيات وعواقب المحاكمات الصورية التي ينظمها النظام الإيراني ضد السجناء؟
من الطبيعي أن تكون لهذه الإجراءات آثار خطيرة، إذ يعتمد النظام في الوقت الراهن على التعذيب لانتزاع اعترافات قسرية من السجناء. على سبيل المثال، يجبر المعتقلون على الاعتراف بحرق بنك ما، أو كما ورد في إحدى الروايات المتداولة عبر شبكات التواصل، تم سكب ماء مغلي على يد أحد السجناء لإجباره على التوقيع، وفي حالة أخرى جرى استخدام الكماشة لنزع الغرز من جرح أحد المعتقلين المصابين بهدف زيادة الضغط عليه.
هذه الاعترافات التلفزيونية والسيناريوهات المفبركة، التي غالباً ما تنفذ بحضور قوات الحرس الثوري أو عناصر بملابس مدنية أمام حشود مصطنعة، تستخدم كذريعة لتوجيه الاتهامات إلى المعتقلين والسجناء، وفي الوقت نفسه لتبرير إعدامهم أمام المجتمع الدولي، الهدف من ذلك هو إظهار هؤلاء الأشخاص وكأنهم أطلقوا النار، أو أحرقوا الممتلكات، أو قتلوا عناصر من الباسيج. وفي بعض الحالات، تمارس ضغوط على عائلات الضحايا لإجبارهم على دفع تكاليف الرصاص أو قبول مزاعم أخرى مختلقة، وإذا لم تكن العائلة قادرة مالياً، يسعى النظام إلى تصوير ابنهم كعنصر من الباسيج لتزييف عدد الضحايا وتقديمه بما يخدم روايته الرسمية.
خطورة هذه السيناريوهات تكمن في أنها من جهة تفتح المجال أمام مجازر أوسع وضغوط نفسية أشد على المعتقلين، ومن جهة أخرى فإن غياب رد فعل جاد من المجتمع الدولي والحكومات يجعل النظام يواصل هذه الممارسات دون أي تكلفة تُذكر، ورغم استمرار الاحتجاجات الشعبية ورفع شعارات مثل "الموت لخامنئي" التي رددت مؤخراً في بعض مناطق طهران، إلا أن الضغط العالمي لا يزال غير كافٍ، فيما تواصل السفارات والسفراء التابعون للنظام نشاطهم وحياتهم بشكل طبيعي.
في المحصلة، فإن المحاكمات الصورية، السيناريوهات الإعلامية، والتعذيب الممنهج، إلى جانب غياب الموقف الدولي الحازم، يجعل وضع المعتقلين والمعارضين داخل إيران شديد الخطورة والهشاشة، وتفرض ضرورة ملحة لتكثيف الاهتمام العالمي بهذه القضية.
صدر بيان يفيد بأن العديد من العائلات تتعرض لضغوط شديدة لإجبارها على المشاركة في الفعاليات الرسمية، مقابل وعود بالإفراج عن أبنائها المعتقلين، كما يطلب منها الامتناع عن نشر أي معلومات حول المعتقلين أو المحكومين بالإعدام... ما أهمية نشر المعلومات عن الاعتقالات لدعم عائلات السجناء السياسيين في إيران؟
إن نشر المعلومات هو الخطوة الأولى، بينما يسعى النظام دائماً لإسكات العائلات عبر التهديدات؛ إذ يقال لهم إنه إذ تحدثوا عن أبنائهم أو ذكروا أسماءهم على شبكات التواصل، فإن أبناءهم سيقتلون أو سيتم اعتقال أفراد آخرين من الأسرة، وقد وصلتنا تقارير تفيد بأن العائلات تعرضت لضغوط خلال ذكرى الثورة الإيرانية، لإجبارها على المشاركة في التظاهرات وتصويرها، وإلا قيل لهم إنهم لن يروا أبناءهم مرة أخرى. هذه الضغوط شديدة ومرعبة، ومن الطبيعي أن تخشى العائلات ذكر أسماء أبنائها في مثل هذه الظروف.
لكن الواقع يظهر أنه على مدى أكثر من أربعة عقود، كلما التزم السجين وعائلته الصمت، زادت احتمالات الإعدام أو الاختفاء، لذلك، قمنا بنشر أرقام هواتف عبر شبكات التواصل ليتمكن الناس من مشاركة أي معلومة عن أبنائهم، حتى لو لم تكن دقيقة، لأن هذه المعلومات تساعدنا في التواصل المستمر مع لجنة تقصي الحقائق والمقرر الخاص لحقوق الإنسان في إيران، وتستخدم لمتابعة القضايا عبر القنوات الدولية.
وفي الجلسة المقبلة لمجلس حقوق الإنسان في آذار، من المقرر تقديم تقارير جديدة. لهذا السبب، يعتبر نشر المعلومات العدو الأكبر للنظام، إذ تدرك العائلات أن كشف الحقائق يضر بالنظام، لكنه في الوقت نفسه أمر بالغ الأهمية، حتى من دون ذكر أسماء العائلات، فإن إيصال الأخبار عن المعتقلين والمحتجزين إلى العالم يعد خطوة حاسمة، فالصمت يزيد من خطر إعدام أحبائهم، بينما نشر الأخبار، ولو بشكل محدود، قد ينقذ حياتهم.